أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

160

العقد الفريد

أجفان الرشيد ، فقال : هل بالحضرة أحد يحسن الشعر ؟ فقلت : اللّه أكبر ! رب قيد مضيقة قد فكه التيسير للإنعام ! أنا صاحبك إن كان صاحبك من طلب فأدمن ، وحفظ فأتقن . فأخذ بيدي . ثم قال : ادخل أن يختم اللّه لك بالإحسان لديه والتصويب ، فلعلها أن تكون ليلة تعوّض صاحبتها الغنى . قلت : بشّرك اللّه بالخير ! قال : ودخلت ، فواجهت الرشيد في البهو جالسا كأنما ركب البدر فوق أزراره جمالا ، والفضل بن يحيى إلى جانبه ، والشمع يحدق به على قضب المنابر ، والخدم فوق فرشه وقوف ، فوقف بي الخادم حيث يسمع تسليمي ، ثم قال : سلّم ! فسلمت ، فردّ ، ثم قال : ينحّى قليلا روعه ، إن وجد لروعه حسّا . فقعدت حتى سكن جأشي قليلا ، ثم أقدمت ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إضاءة كرمك ، وبهاء مجدك ، مجيران لمن نظر إليك من اعتراض أذية له ، أيسألني أمير المؤمنين فأجيب ، أم أبتدئ فأصيب ، بيمن أمير المؤمنين وفضله ؟ قال : فتبسم الفضل ، ثم قال : ما أحسن ما استدعى الاختبار استسهل به المفاتحة ، وأجدر به أن يكون محسنا . ثم قال الفضل : واللّه يا أمير المؤمنين لقد تقدّم مبرّزا محسنا في استشهاده على براءته من الحيرة ، وأرجو أن يكون ممتعا . قال : أرجو . ثم قال : ادن . فدنوت ، فقال : أشاعر أم راوية ؟ قلت : راوية يا أمير المؤمنين . قال : لمن ؟ قلت : لذي جدّ وهزل بعد أن يكون محسنا . قال : واللّه ما رأيت أدعى لعلم ، ولا أخبر بمحاسن بيان فتقته « 1 » الأذهان منك ، ولئن صرت حامدا أثرك لتعرفن الإفضال متوجّها إليك سريعا . قلت : أنا على الميدان يا أمير المؤمنين ، فيطلق أمير المؤمنين من عقالي مجيبا فيما أحبه قال : قد أنصف القارة من راماها ثم قال : ما معنى المثل في هذه الكلمة بديّا ؟ قلت : ذكرت العرب يا أمير المؤمنين أن التبابعة كانت لهم رماة لا تقع سهامهم في غير الحدق ، فكانت تكون في الموكب الذي يكون فيه الملك ، على الجياد البلق « 2 » ، بأيديهم الأسورة وفي أعناقهم الأطواق ،

--> ( 1 ) فتق : قوّم ووسّع . ( 2 ) الجياد البلق : التي فيها سواد وبياض .